مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
310
تفسير مقتنيات الدرر
وقد سمّى اللَّه سبحانه العقاب والعذاب غيّا بقوله : « فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا » « 1 » ويشهد بذلك قول الشّاعر : فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغيّ لائما وقال بعض المفسّرين : إنّ معنى الآية : إن كان اللَّه يريد عقوبة إغوائكم الخلق وإضلالكم إيّاهم أي يريد عقوبتكم على ذلك الإغواء . ومن عادة العرب أن تسمّي العقوبة باسم الشيء المعاقب عليه كقوله : وجزاء سيّئة سيّئة مثلها ، ومكروا ومكر اللَّه . وقيل : معنى الإغواء : الإهلاك إذا أراد اللَّه إهلاككم بسبب كفركم لا ينفعكم نصحي عند نزول العذاب وإن قبلتم نصحي وآمنتم لأنّ اللَّه حكم بأن لا يقبل الإيمان بعد نزول العذاب . وقد حكي عن العرب أنّهم قالوا : أغويت فلانا أي أهلكته ، ويقال : غوى الفصيل إذا فسد من كثرة شرب اللَّبن . وقيل : إنّ قوم نوح كانوا يعتقدون أنّ اللَّه يضلّ عباده عن الدّين وأنّ ما هم عليه بإرادة اللَّه ولولا ذلك لأجبرهم على خلافه فقال نوح على وجه التعجّب من قولهم : إن كان القول كما تقولون وتعتقدون فنصحي لا ينفعكم . واعلم أنّه لا يجوز أن يكون المراد بالإغواء في الآية فعل الكفر والدعاء إلى الكفر أو الحمل عليه على ما يعتقده المجبّرة لقيام الأدلَّة على أنّ خلق الكفر وإرادته من أقبح القبائح وكالأمر به ، وكما لم يجز أن يأمر به فكذلك لا يجوز أن يفعله أو يريده . ولأنّه لو جاز منه الإضلال لجاز منه أن يبعث من يدعو إلى الضلال * ( [ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْه ِ تُرْجَعُونَ ] ) * فيجازيكم على أعمالكم . قوله : [ سورة هود ( 11 ) : آية 35 ] أَمْ يَقُولُونَ افْتَراه ُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُه ُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ ( 35 ) المعنى : قيل : أيؤمن كفّار محمّد صلى اللَّه عليه وآله بما أخبرهم به محمّد صلى اللَّه عليه وآله من نبأ قوم نوح * ( [ أَمْ يَقُولُونَ افْتَراه ُ ] ) * من تلقاء نفسه [ ف * ( قُلْ ] ) * لهم يا محمّد صلى اللَّه عليه وآله : إن اختلقته وافتريته كما تزعمون فعليّ عقوبتي ولا تؤخذون به وأنا لا أؤاخذ بجرمكم .
--> ( 1 ) مريم : 60 .